شهد قطاع النقل واللوجستيك في المغرب خلال سنة 2025 تحوّلًا نوعيًا جعله أحد أبرز محركات الأداء الاقتصادي الوطني، حيث تلاقت الاستثمارات العمومية الكبيرة مع تسارع الرقمنة وتحسن الطلب الداخلي والخارجي، في سياق دولي اتسم بتباطؤ نسبي واضطرابات في سلاسل التوريد، إذ بلغت ميزانية الاستثمار المخصصة للقطاع حوالي 13 مليار درهم، ما مكّن من تعزيز البنية التحتية وتحديث الأساطيل وتحسين الحكامة، وساهم في تحقيق المكتب الوطني للسكك الحديدية رقم معاملات يُتوقع أن يتجاوز 5 مليارات درهم، مدعومًا بنجاح القطار فائق السرعة “البراق” الذي نقل أكثر من 5 ملايين مسافر خلال السنة، وهو ما يعكس انتقال السكك الحديدية من مجرد خدمة نقل إلى رافعة إنتاجية ذات أثر مباشر على التنقل الحضري والتنافسية الاقتصادية، في الوقت الذي سجل فيه النقل الجوي بدوره دينامية إيجابية، خاصة عبر مطار محمد الخامس، مع تسريع رقمنة مسار المسافر لتحسين الانسيابية وتقليص زمن العبور;
أما على مستوى النقل البحري فقد أكد المغرب مكانته كمحور إقليمي بارتفاع نشاط الموانئ بنسبة 11.2% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025 ومعالجة 196.8 مليون طن من البضائع، مدفوعًا بنمو قوي لنشاط المسافنة بنسبة 15.7%، وهو ما يتقاطع مع التحولات العالمية في الشحن البحري التي عرفت انخفاضًا حادًا في أسعار الحاويات وصل إلى 56% نتيجة زيادة العرض، ما مكّن الموانئ المغربية من تعزيز جاذبيتها في سلاسل الإمداد الدولية.
وفي هذا السياق يرى خبراء النقل أن الرهان الحقيقي لم يعد فقط في حجم البنية التحتية، بل في قدرتها على الاندماج الرقمي، حيث أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وتحليل البيانات أدوات حاسمة لخفض التكاليف اللوجستية التي ما تزال تمثل نسبة مرتفعة من كلفة الإنتاج، وهو ما أكد عليه وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح باعتبار أن تحديث الحكامة، من خلال مبادرات مثل “مكتب الضبط الرقمي” واعتماد استراتيجيات رقمية لدى الشركة الوطنية للنقل واللوجستيك، يشكل شرطًا أساسيًا لتحسين مردودية الاستثمار العمومي،
كما يشدد خبراء مستقلون على أن تعدد وسائط النقل وربطها في منظومة متكاملة (سكك، موانئ، مطارات، وطرق) يمنح المغرب أفضلية تنافسية إقليمية، خصوصًا في ظل نمو قطاع النقل واللوجستيك عالميًا بنسبة 2.5% خلال 2025 مع تراجع في بعض الاقتصادات الكبرى، وهو ما يجعل التجربة المغربية نموذجًا لاقتصاد متوسط الدخل استطاع توظيف الجغرافيا والاستثمار العمومي والرقمنة لبناء منظومة لوجستية أكثر مرونة، ومع المصادقة على ميزانيات 2026 التي تركز على تقليص الكلفة اللوجستية وتطوير منصات متكاملة، تبدو سنة 2025 بمثابة نقطة تحوّل استراتيجية انتقل فيها القطاع من منطق التوسع الكمي إلى منطق القيمة المضافة والنجاعة الاقتصادية المستدامة.


عذراً التعليقات مغلقة