تصاعد التحذيرات من نقص الإمدادات والضغوط الجيوسياسية والتجارية خلال اجتماع قادة الصناعة في سنغافورة.
مناقشات مستفيضة لإيجاد الحلول
يقف قطاع الطيران عند مفترق طرق، حيث لم يعد التعافي وحده كافيًا لضمان النمو، بل بات المطلوب رؤية أكثر مرونة وشمولية قادرة على تحويل التحديات الراهنة إلى فرص في ظل عالم شديد التقلب، وتوجيه القطاع نحو مسار أكثر استقرارًا في سماء تتغير معالمها باستمرار.
سنغافورة – يواجه قطاع الطيران العالمي رياحًا معاكسة تعرقل مسار نموه في مرحلة كان يُفترض أن تشهد تعافيًا أكثر سلاسة بعد سنوات من الاضطرابات.
ورغم عودة الطلب على السفر الجوي وارتفاع أعداد المسافرين في العديد من الأسواق بعد الوباء، إلا أن هذا الزخم يصطدم بحزمة من التحديات التشغيلية والمالية والجيوسياسية التي تضغط على قدرة شركات الطيران على التوسع وتحقيق نمو مستدام.
وتُعد التكاليف التشغيلية المرتفعة من أبرز هذه التحديات، وفي مقدمتها أسعار الوقود التي لا تزال تتسم بالتقلب، إلى جانب ارتفاع كلفة الصيانة والتأجير والخدمات الأرضية.
كما تواجه الشركات ضغوطًا متزايدة على هوامش الربح نتيجة سياسات التشديد النقدي التي لا تزال سارية في معظم الدول، ما يجعل تمويل الطائرات الجديدة أو تحديث الأساطيل أكثر كلفة مقارنة بالسنوات السابقة.
ويلي والش: مشاكل سلاسل التوريد تُلحق الضرر بشركات الطيران
ويلي والش: مشاكل سلاسل التوريد تُلحق الضرر بشركات الطيران
وبالنظر إلى ذلك تجد الشركات نفسها مضطرة للموازنة بين الحفاظ على قدرتها التنافسية وضبط النفقات في بيئة مالية أكثر تشددًا.
ولا تقل مشكلات سلاسل التوريد تأثيرًا على مسار النمو، إذ أدت تأخيرات تسليم الطائرات ونقص قطع الغيار إلى تعطيل خطط التوسع لدى العديد من الناقلات.
وانعكس ذلك على الجداول التشغيلية ومستويات الخدمة، في وقت يسعى فيه القطاع إلى تلبية طلب متزايد على السفر، خاصة في المواسم السياحية المزدحمة.
كما أن النقص في الكوادر المؤهلة، من طيارين وفنيين وموظفي مطارات، لا يزال يمثل عنق زجاجة يحد من قدرة الشركات على زيادة طاقتها التشغيلية بالوتيرة المطلوبة.
وإلى جانب التحديات الاقتصادية والتشغيلية، تفرض المتغيرات الجيوسياسية والتنظيمية ضغوطًا إضافية على القطاع، فالتوترات الإقليمية، وتغيّر مسارات الطيران، وازدياد القيود البيئية، كلها عوامل ترفع التكاليف وتزيد من تعقيد التخطيط طويل الأجل.
وفضلا عن ذلك تتطلب الالتزامات المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية استثمارات كبيرة في أساطيل أكثر كفاءة وفي وقود الطيران المستدام، ما يشكل عبئًا إضافيًا على الشركات في المدى القريب.
وناقش قادة قطاع الطيران، عشية معرض سنغافورة للطيران الاثنين، معوقات النمو وتأثير التوترات الجيوسياسية، مع التأكيد مجدداً على التزاماتهم بخفض الانبعاثات.
وحذر الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) قادة الصناعة والهيئات التنظيمية من أن مشاكل سلاسل التوريد تُلحق الضرر بشركات الطيران العالمية، وستستمر لبعض الوقت.
وقال ويلي والش، المدير العام للاتحاد في قمة شانغي للطيران، قبيل انطلاق أكبر معرض جوي في آسيا “لا يزال لهذا الاضطراب تأثير كبير”.
وتواجه شركتا أيرباص وبوينغ لصناعة الطائرات مشاكل في سلاسل التوريد منذ الجائحة، بينما يضطر مصنّعو المحركات، مثل جنرال إلكتريك إيروسبيس وبرات آند ويتني، إلى التوفيق بين الطلب المتزايد على تجميع الطائرات الجديدة وصيانة الأساطيل الحالية.
كما يواجه قطاع الطيران تغيرات جيوسياسية، بما في ذلك الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات، والتي أدت إلى اضطراب حركة الشحن الجوي.
طيران فوق الأزمات
اضطرابات التوريد ستعرقل نمو الطيران
وأضاف والش “أعتقد أن تأثير التغيرات الجيوسياسية كان أكثر وضوحًا على جانب الشحن الجوي من قطاع الطيران مقارنةً بجانب نقل الركاب”.
وتراجعت شحنات الشحن الجوي بين آسيا وأميركا الشمالية بنحو 0.8 في المئة العام الماضي، مسجلةً أول انخفاض من نوعه منذ فترة، بينما ارتفعت الأحجام بين أوروبا وآسيا بنسبة 10.3 في المئة.
وتُعدّ منطقة آسيا والمحيط الهادئ أسرع مناطق العالم نموًا في مجال السفر الجوي، مدفوعةً بالصين والهند، حيث يُتوقع نمو حركة المسافرين بنسبة 7.3 في المئة بحلول عام 2026.
توشيوكي أونوما: الوضع لا يمكنه مضاعفة المسافرين دون تغيير جذري
توشيوكي أونوما: الوضع لا يمكنه مضاعفة المسافرين دون تغيير جذري
وحذّر توشيوكي أونوما، الرئيس المنتخب حديثًا لمجلس إدارة المنظمة الدولية للطيران المدني (إيكاو)، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة والمتخصصة في شؤون الطيران، من أن قطاع سيواجه صعوبة في مواكبة النمو المتوقع دون اتخاذ إجراءات منسقة.
وقال “لا يمكن لنظام مصمم لاستيعاب 4 مليارات مسافر أن يدعم ثلاثة أضعاف هذا العدد دون تغيير جذري. كما يجب علينا تسريع وتيرة التقدم لتحقيق صافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول عام 2050”.
ويأتي هذا الاجتماع في ظل توترات بشأن اعتماد الطائرات تُهدد بتقويض نظام معايير الطيران العالمية القائم منذ عقود، والمعروف باسم اتفاقية شيكاغو.
وتجنب أونوما الانجرار إلى النزاع حول “الولايات المتحدة،” مصرحًا للصحفيين بأن منظمة إيكاو ستبقى “محايدة من الناحية الفنية”.
وطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي كندا باعتماد طائرات رجال الأعمال من طراز غلف ستريم الأميركية الصنع، وإلا ستواجه رسومًا
وقال أونوما “إذا كان من الواضح أن بعض الدول الأعضاء تنتهك اتفاقية شيكاغو، فإن وظيفة إيكاو الأولى هي مطالبة تلك الدولة بتصحيح الوضع”، دون أن يوضح ما إذا كان هذا ينطبق على تدخل ترامب.
وفي كلمته أمام 350 من قادة قطاع الطيران، شدد على أهمية التعاون العالمي. وأكد أونوما “لن نتمكن من تحقيق قطاع أكثر أمانًا واستدامة وتنافسية إلا بالعمل معًا”.
وأثارت تصريحات ترامب قلقًا لدى شركات الطيران والمتخصصين في مجال الاعتماد، الذين تساءلوا عما إذا كان ينبغي إقحام مسألة اعتماد الطائرات في السياسة. وقال مسؤول تنظيمي رفيع المستوى لوكالة رويترز: “لا مجال للمساومة بشأن الاعتماد”.
زانضم مفوض النقل في الاتحاد الأوروبي، أبوستولوس تزيتزيكوستاس، إلى قائمة الشخصيات البارزة التي حذرت من “تسليح” سلاسل التوريد في ظل سعي القوى الكبرى لتحقيق أجنداتها الجيوسياسية.
وقال في المؤتمر “هناك اليوم تحديات حقيقية في تطوير نمو قطاع الطيران خلال السنوات القادمة… تحديات تتعلق بتسليح الاعتماد المتبادل في سلاسل التوريد”.
رياح معاكسة رغم طفرة الطلب
رياح معاكسة رغم طفرة الطلب
وتعكس تصريحاته تحذيراً صدر الشهر الماضي عن قطاع صناعة الطيران الفرنسي بشأن مصير سلاسل التوريد العابرة للحدود، والتي بُنيت في ظل سياسات العولمة التي تشهد تراجعاً حالياً.
ويقول مسؤولون تنفيذيون في القطاع إن المعادن الأرضية النادرة، وهي أحد مكونات محركات الطائرات، لا تزال تشكل نقطة ضغط خاصة، على الرغم من الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين التي تهيمن على الإمدادات العالمية لهذه المعادن.
ورغم هذه الرياح المعاكسة، لا يزال قطاع الطيران يحتفظ بعوامل قوة تدعمه على المدى الطويل، أبرزها الطلب المتنامي على السفر الدولي، واتساع الطبقة الوسطى في الأسواق الناشئة، وتزايد الاعتماد على النقل الجوي في سلاسل التجارة العالمية.
غير أن تحقيق نمو حقيقي ومستدام سيبقى مرهونًا بقدرة الشركات والجهات المنظمة على التكيّف مع الواقع الجديد، وإدارة المخاطر بكفاءة، والاستثمار في الابتكار والكفاءة التشغيلية.

