بين غضب المهنيين من “حمائية مبطنة” والتعقيدات التقنية لنظام (EES) الجديد.. الدبلوماسية المغربية تدخل خط المفاوضات لإنقاذ سلاسل التوريد.
لم تعد أزمة التأشيرات التي تواجه سائقي النقل الطرقي الدولي بالمغرب مجرد “عائق إداري عابر”، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى قضية رأي عام اقتصادي وسياسي تثير الكثير من التوجس. وفي وقت يرى فيه الفاعلون المهنيون في هذه المماطلة “خطة غير معلنة” للحد من التدفق القوي للصادرات المغربية نحو الأسواق الأوروبية، تبرز على السطح تعقيدات تقنية وقانونية مرتبطة بالنظام الرقمي الجديد الذي فرضه الاتحاد الأوروبي عند حدوده.
مخاوف من “حرب تجارية صامتة”
يرى قطاع واسع من المصدرين والناقلين المغاربة أن العراقيل المستمرة في منح وتجديد تأشيرات “شنغن” للسائقين المهنيين تتجاوز منطق البيروقراطية الإدارية. فالأزمة تشتد وتيرتها تزامناً مع ذروة المواسم الفلاحية، وهي الفترة الحيوية التي تتدفق فيها الخضر والفواكه المغربية نحو القارة العجوز.
ويؤكد مهنيون أن هذا الإبطاء المتعمد يؤدي إلى شلل نسبي في أساطيل النقل الوطنية، مما يرفع الكلفة التشغيلية ويضرب في العمق “عامل الزمن” الذي يعد الركيزة الأساسية في عقود التصدير. هذا الوضع، بحسب فاعلين في الجمعية المغربية للنقل الطرقي عبر القارات (AMTRI)، يمنح امتيازاً تنافسياً مباشراً للشركات والناقلين الأوروبيين الذين يجدون في غياب الشاحنات المغربية فرصة للاستحواذ على حصص أكبر من السوق وتغطية الطلب المتزايد.
الصرامة الرقمية لنظام (EES): القانون فوق الجميع؟
في المقابل، يربط خبراء اللوجستيك جزءاً كبيراً من الأزمة الراهنة بدخول نظام الدخول والخروج الرقمي الأوروبي الجديد (EES) حيز التنفيذ الكامل منذ أبريل المنصرم. هذا التحول الرقمي الجذري ألغى الأختام اليدوية على جوازات السفر واستبدلها بنظام بيومتري صارم يحسب كل ساعة يقضيها السائق داخل فضاء “شنغن”.
المشكلة الجوهرية هنا تكمن في “قاعدة 90/180 يوماً”. فقانون الاتحاد الأوروبي يعامل السائق المهني الذي يدخل ويخرج باستمرار بنفس الشروط القانونية التي يخضع لها السائح العادي. ومع الرصد الإلكتروني الدقيق، أصبح السائقون يستنفدون مدة الإقامة القانونية (90 يوماً في ظرف 6 أشهر) بسرعة فائقة، مما يضعهم تلقائياً في خانة “المخالفين” أو يؤدي إلى رفض تجديد تأشيراتهم، دون مراعاة للطبيعة الإستراتيجية لمهنتهم كشريان أساسي للتجارة الدولية وسلاسل التوريد.
الدبلوماسية تتحرك.. هل تنجح المفاوضات؟
أمام هذا التوتر المتصاعد، والذي وصل حد تلويح الهيئات المهنية بخوض إضرابات وطنية شاملة قد تشل حركة التصدير، انتقل الملف إلى الدوائر الدبلوماسية والرسمية.
وتقود وزارة النقل واللوجيستيك المغربية بتنسيق مع وزارة الخارجية محادثات مكثفة رفيعة المستوى مع المفوضية الأوروبية، إلى جانب قنوات الاتصال المباشرة المفتوحة مع الجانب الإسباني، باعتبار إسبانيا البوابة البرية الأولى والأساسية للصادرات المغربية.
وتتركز المفاوضات الحالية على إيجاد “وضع استثنائي مرن” للسائقين المغاربة؛ حيث يطالب المغرب بإقرار إجراءات تفضيلية تشمل تسهيل منح التأشيرات الإلكترونية، ومراجعة طريقة احتساب الأيام للسائقين المهنيين، أو إيجاد صيغة قانونية تحمي تنافسية المقاولات المغربية وتضمن استدامة تدفق السلع نحو أوروبا، بعيداً عن منطق الحمائية التجارية المغلفة بغطاء التقنين الرقمي.

